المقريزي
209
المقفى الكبير
فاستجاب إلى ذلك ، وكتب رقعة يعرض نفسه وماله على السيّدة ، ويخطب خدمتها ويبذل الاجتهاد فيها . فأخذ رفق الرقعة وركب من الغد إلى [ 360 أ ] القصر ، ودخل إلى السيّدة وقد أحضرت أبا نصر وعاودته في الخطاب وهو على حاله من الامتناع إلى أن أضجرها . فانتهز رفق الفرصة بضجرها ، وقال : يا مولاتنا قد طال غلق بابك ووقوف خدمتك وكثرة امتناع الشيخ أبي نصر ممّا تريد [ ين ] ه منه . وههنا من أنت تعرفينه ، وهو رجل مسلم وقاض ، وكثير المروءة ، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرّض لمالك ، وهو ثقة ناهض كاف . فقالت : من هو ؟ فقال : القاضي أبو محمد اليازوريّ . وهذه رقعته . فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر ، وقالت له : ما تقول فيه ؟ فلم يصدّق بذلك وقال : يا مولاتنا ، هو واللّه الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك ، وفيه لها جمال ، وما تظفرين بمثله . فوقع ذلك منها بالموافقة لما كان في نفسها من الغيظ بامتناعه عليها ، وقالت لرفق : قل له يجلس في داره غدا إلى أن أنفذ إليه . فسرّ رفق بذلك سرورا كبيرا وخرج ، فرأى الياوزريّ فقال له : أقمح أم شعير ؟ قال : بل برّ يوسفيّ - وقصّ عليه القصّة وقال له : اغد إلى دارك فلا حاجة إلى الاجتماع اليوم ، وإذا كان الغد فاجلس حتى يأتيك رسول السيّدة . ففعل ، وجاءه من الغد الرسول يستدعيه ، فركب إلى باب السيّدة وقد جلست له وراء المقطع ، وردّت إليه أمر بابها والنظر في ديوانها الذي هو باب الريح ، فبلغ ذلك الوزير أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ ، فشقّ عليه كون هذا الأمر لم يكن على يده مع علمه أنّه لا يقدر عليه ، فإنّ السيّدة لم تكن تسمع قوله لما في نفسها منه بقتل أبي سعد ، ولم يسعه إلّا المجاملة . واستدعى أمراء الأتراك وأمرهم بالمضيّ إليه وتهنئته ، فلمّا دخلوا على اليازوريّ تلقّاهم وأعظمهم لسعيهم إليه ، وعندما هنّئوه شكرهم وأثنى عليهم ، وقال : ما أنا إلّا خادم ونائب لمواليّ الأمراء ، وأسأل في تشريفي بما يعنّ لهم من خدمة أنهض فيها وأبلغ الغرض فيما يرسمون . [ ارتفاع شأنه بخدمة السيّدة ] فنهضوا ، وقام لوداعهم ، وأتوا إلى الوزير [ الفلاحيّ ] ، وأعلموه بما كان من اليازويّ ، فقلق لذلك . ولم تطل الأيّام حتى قبض على الوزير وقتل ، وأقيم بعده في الوزارة أبو البركات الحسين بن محمد الجرجرائيّ ، فأقبلت حال اليازوريّ تتزيّد ومنزلته ترتفع وأمره يتأكّد . وخلعت عليه السيّدة خلعة ثانية ، ولقّب بالمكين الأمين عمدة أمير المؤمنين ، وأمرته أن لا يقوم لأحد ، فإنّ خدمته لا تقتضي إعظام أحد إذا دخل إليه . فكان يعتذر إلى من يأتيه من الجلّة والرؤساء والأكابر عن ترك القيام ، ويقول : لو ملكت اختياري لبالغت في تكرمتكم بما تستحقّونه - إلى أن تمهّد عذره في ذلك ، ما خلا القائد الأجلّ عدّة الدولة رفق ، الذي كان سفيره ، فإنّه كان إذا أقبل إليه وثب قائما ووفّاه حقّه من الإعظام ، فبلغ ذلك السيّدة فقالت له : لا تتحرّك لأحد بالجملة ! فكان بعد ذلك إذا جاء ، يعتذر إليه ، فمكث كذلك مدّة ، وحاله آخذه في الترقّي ، ورئاسته تزداد إجلالا إلى أن صار يحضر بحضرة الخليفة
--> - وقراءتنا أصوب إذا فهمناها على هذا النحو : فعلى ما ذا نحصل أكثر من العطلة ، أيّ : ما ذا نخشى أكثر من البطالة الحاليّة ؟